ترامب نحو تركيع أوروبا وإعادة رسم الموازين

لفهم عقلية ترامب أو الطريقة التي يفكّر بها، من الضروري أن نقرأ في كتابه «فن الصفقة»، كيف استطاع الاستيلاء على مارالاغو، حيث تُعدّ قصة سيطرته على هذا المنتجع في بالم بيتش بفلوريدا مثالاً حياً على استخدامه لقواعده الخاصة ولا سيما قاعدتي استخدام النفوذ وردّ الصاع صاعين.
كان هذا القصر التاريخي مملوكاً لمارجوري بوسطن وعندما عُرض للبيع حاول ترامب شراءه مقابل 15 مليون دولار لكن عرضه رُفض بغطرسة من قبل القيّمين على العقار والمجتمع المخملي في الولاية الذين لم يرغبوا بوجود مستثمر نيويوركي صاخب بينهم.
اعتمد ترامب حينها خطة ماكرة؛ فعوضاً عن رفع السعر قام بشراء قطعة أرض تقع مباشرة بين القصر والمحيط الأطلسي مقابل مبلغ زهيد يُقدّر بمليوني دولار تقريباً، وبعد ذلك هدّد علناً بأنه سيبني في هذه الأرض بناء قبيحاً ومرتفعاً يحجب منظر المحيط تماماً عن قصر مارالاغو، ما سيؤدي إلى انهيار قيمة القصر التاريخي وجعله مكاناً غير مرغوب فيه.
لم يعد الحديث عن رغبة واشنطن في ضمّ جزيرة غرينلاند مجرد تصريحات عابرة أو طموحات قديمة، بل تحوّل الأمر مع بداية شهر شباط إلى مواجهة اقتصادية وسياسية كبرى تهدّد بتفكيك أعمدة النظام العالمي الذي تشكّل بعد الحرب العالمية الثانية. فالرئيس الأميركي دونالد ترامب أعلن صراحة وبشكل رسمي عبر منصة تروث سوشيال، أنه سيفرض تعرِفات جمركية بنسبة عشرة في المئة على واردات ثماني دول أوروبية تشمل الدنمارك والسويد وفنلندا والنرويج وفرنسا وألمانيا وبريطانيا وهولندا، وذلك رداً على ما وصفه بلعبتها الخطيرة في معارضة السيادة الأميركية على الجزيرة، والتهديد الأكبر يكمن في رفع هذه النسبة إلى 25 في المئة بحلول حزيران المقبل ما لم يتم التوصل إلى اتفاق لشراء الجزيرة بالكامل، وهو ما يضع القارة العجوز أمام خيارين أحلاهما مرّ: إمّا الرضوخ للابتزاز الأميركي أو الدخول في حرب تجارية قد تقضي على حلف «الناتو» إلى الأبد.
يبرز التفسير الأكثر عمقاً لهذه التحرّكات، وهو أن غرينلاند ليست الهدف النهائي بحدّ ذاتها، بل هي ورقة ضغط استراتيجي في لعبة كبرى تهدف إلى إعادة صياغة موازين القوى
الذريعة التي يسوّقها البيت الأبيض اليوم ترتكز على مخاوف أمنية مرتبطة بمشروع القبة الذهبية، وهو نظام الدفاع الجوي الجديد الذي يهدف إلى حماية أميركا وكندا بتكلفة تريليون دولار، حيث يدّعي ترامب أن السيطرة على غرينلاند ضرورة لمنع الصين وروسيا من احتلالها واستخدامها كمنصة لتهديد الأمن القومي الأميركي. لكنّ الحقائق على الأرض تفنّد هذه الرواية بالكامل، فاستخبارات دول الشمال تؤكّد عدم وجود أي أثر عسكري صيني أو روسي في الجزيرة. بل إنّ العلاقة بين بكين والجزيرة تقتصر على شراء الأسماك والسياحة الطبيعية. كما أن واشنطن تمتلك بالفعل حقوقاً عسكرية واسعة في غرينلاند منذ اتفاقية عام 1951 تتيح لها بناء القواعد وتحريك القوات دون الحاجة إلى انتزاع السيادة من الدنمارك، ما يجعل الإصرار على الضم القسري أمراً يثير الريبة حول الدوافع الحقيقية.
هنا يبرز التفسير الأكثر عمقاً لهذه التحرّكات، وهو أن غرينلاند ليست الهدف النهائي بحدّ ذاتها، بل هي ورقة ضغط استراتيجي في لعبة كبرى تهدف إلى إعادة صياغة موازين القوى. فالبعض يرى في سلوك ترامب محاولة لتفكيك حلف «الناتو» من الداخل عبر دفع الدول الأوروبية لتفعيل بند الدفاع المشترك ضد واشنطن نفسها، وهو ما يخدم الأجندة الروسية بشكل مباشر. وفي المقابل، هناك من يحلّل الأمر كعملية مقايضة كبرى حيث يستخدم ترامب ملف الجزيرة والرسوم الجمركية لإجبار الأوروبيين على الانخراط في خططه القادمة تجاه إيران، أو لتأمين السيطرة المطلقة على ممرات الملاحة القطبية التي بدأت تظهر مع ذوبان الجليد والتي ستتحوّل في المستقبل القريب إلى شرايين حيوية للتجارة العالمية تنافس الممرات التقليدية.
إنّ ما يحدث اليوم في كواليس البيت الأبيض والعواصم الأوروبية يثبت أننا أمام مرحلة جديدة من الفوضى المنظّمة، حيث يتم خلق أعداء وهميين وتضخيم تهديدات غير موجودة لتبرير الاستيلاء على موارد ومواقع استراتيجية. فأوروبا التي بدأت بالفعل في إرسال قوات رمزية إلى الجزيرة تجد نفسها في مواجهة مع مؤسس حلفها وقائد منظومتها الأمنية، وهو صراع قد ينتهي بانهيار النظام العالمي القديم وبروز خارطة نفوذ جديدة لا مكان فيها للتحالفات التقليدية، وفي المحصّلة تظل غرينلاند هي الواجهة المُعلنة لصراع أعمق يستهدف إعادة رسم حدود القوة والسيطرة على ممرات المستقبل بعيداً عن شعارات حماية الديمقراطية أو الأمن الجماعي التي سادت لعقود.
وبعدما تمكّن بدهائه من فرض إيقاعه في مارالاغو، يتّجه ترامب الآن نحو انتزاع مطالبه من أوروبا وفق الرؤية التي يجدها ملائمة لمصالح بلاده؛ فهو يسعى في توظيف فائض القوة والضغط السياسي لإعادة صياغة العلاقة مع القارة العجوز بما يخدم توجهاته الاستراتيجية، واضعاً القادة الأوروبيين أمام خيارات صعبة لا تحتمل المناورة أو التأجيل في ظل المتغيّرات الدولية المتسارعة التي يفرضها بذكاء وحنكة.
* كاتب وباحث لبناني
